تقارير

 

تقرير موجز حول الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في السودان

 

شهدت الفترة ما بين 13 و 23 ديسمبر الماضي إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في السودان انتهت الي إعلان فوز الفريق عمر حسن البشير بفترة رئاسية جديدة مدتها خمس سنوات بعد حصوله علي نسبة 5ر86% من أصوات الناخبين الذين بلغوا 273ر351ر8 وفق ما أعلنته الهيئة العامة للانتخابات.

وفيما يتعلق بالانتخابات البرلمانية فقد تم الإعلان عن فوز مرشحي حزب المؤتمر الوطني الحاكم بما يزيد عن 95% من المقاعد البالغ عددها 270 مقعداً، وحسب ما أعلنته الهيئة العامة للانتخابات فان الانتخابات لم تجر في 24 دائرة في الجنوب والجنوب الشرقي والشرق لأسباب أمنية.

خلفية:

لا تشكل الانتخابات في حد ذاتها الديمقراطية، ولا تعتبر غاية في حد ذاتها بل خطوة ذات أهمية في سبيل تحقيق الديمقراطية. ولمّا كانت الانتخابات واحدة من آليات عملية الديمقراطية المرتبطة بقوة بحقوق الإنسان فهي تعني أكثر بكثير من مجرد صناديق اقتراع ولوائح انتخابية وخلافها. وتستلزم الانتخابات النزيهة جملة من إجراءات وممارسات تطاول المجالات السياسية والاقتصادية والقانونية والثقافية.

ولقد كفلت المادة (21) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق المواطن في المشاركة في إدارة شئون بلاده وأوضحت أن ممارسة هذا الحق تتم من خلال:

1/ الحق في الاشتراك في إدارة الشئون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين منتخبين يختارون اختياراً حراً.

2/ لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.

3/ ان إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة ودورية تجري علي أساس الاقتراع السري وعلي قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.

ومن المهم الإشارة الي أن حق المشاركة السياسية في إدارة الشئون العامة يحتاج الي التمتع أولاً بعدد من الحقوق الأخرى المحمية دولياً. ولا يمكن الحديث عن انتخابات نزيهة دون توفر عشر حريات أساسية هي:

 الحق في الحياة – الحق في الحرية – الحق في الكرامة والحرية الشخصية – حرية الرأي والدين والتعبير – الحق في التجمع السلمي – الحق في التقاضي أمام محاكم مؤهلة ومستقلة ونزيهة – الحق في المساواة وحظر كل صور التمييز – الحق في الملكية والعمل – الحق في التعليم والثقافة – حق كل شخص في المشاركة في إدارة شئون بلاده.

 

ويتضح بالنظر الي واقع الحياة في البلاد أن معظم هذه الحقوق منكورة تماماً وأن ما يتم الإعلان عن كفالته منها يجري تقييده علي نحو صارم. إن استمرار العمل بقانون الطوارئ والقوانين الأخرى المقيدة للحقوق والحريات كقانون الأمن العام وقانون النظام العام وخلافهما، واستمرار الحرب الأهلية والاقتتال في جبهات عديدة إضافة الي وجود العديد من النزاعات الأثنية المسلحة في مناطق كثيرة بسبب الصراع حول المياه والأرض والسلطات المحلية وغير ذلك لا يدع أي إمكانية للحديث عن كفالة الحقوق الأساسية السابق الإشارة إليها. ولقد كان إدراك هذه الحقيقة سبباً في اتخاذ القوي السياسية الرئيسية في البلاد موقف المقاطعة من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أجريت مؤخراً. وقد أعلنت أحزاب الاتحادي والأمة والشيوعي وتجمع الأحزاب الإفريقية السودانية وحزب المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه د. حسن الترابي (تحظى مجتمعة بما يزيد عن 90% من الدعم الشعبي في الشمال) الي جانب الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان، الذي يسيطر علي معظم مناطق الجنوب، مقاطعتها لهذه الانتخابات التي تجري في وقت ينبغي التصدي فيه لقضايا أكثر أهمية من نحو تحقيق السلام والاستقرار والوفاق، وباعتبار أن إجراءها في ظل الظروف المعقدة القائمة محاولة لتكريس الأمر الواقع غير الشرعي القائم منذ يونيو 1989.

وفي ظل المقاطعة الواسعة للانتخابات، وعجز السلطات عن إجرائها في ما يزيد عن 35% من الأراضي السودانية التي تخضع للسيطرة الكاملة للمعارضة في جنوب البلاد وجنوب كردفان وجبال النوبة والأنقسنا والنيل الأزرق والشرق، وأخذاً في الحسبان حقيقة وجود أكثر من 4 ملايين نازح بسبب الحرب والجفاف والجوع وخلافها من الكوارث واضطرار ملايين أخري الي الهجرة لخارج البلاد هرباً من سياسات وممارسات الحكومة (أفادت إحصاءات الهيئة العامة للانتخابات بأن 393ر107 ناخب من المغتربين السودانيين فقط شاركوا في الانتخابات) فإن إعلان هيئة الانتخابات عن مشاركة 5ر65% من الناخبين البالغ عددهم نحو 12 مليون في العملية الانتخابية لهو أمر يصعب قبوله. وحسب مصادر المنظمة السودانية لحقوق الإنسان لم تتجاوز نسبة المشاركة 7% من مجموع الناخبين.

ويتأكد أثر المقاطعة للانتخابات من حقيقة إعلان هيئة الانتخابات فوز 20% من المرشحين في الانتخابات بالتزكية (الإجماع السكوتي وفق التعبير الرسمي) قبل بدء عمليات الاقتراع، ولقد ارتفعت هذه النسبة الي ما يزيد عن 35% مع بداية عملية الاقتراع جراء انسحاب منافسيهم القلائل.

التجاوزات والسلبيات التي اكتنفت العملية الانتخابية:

لكل ما سبق افتقدت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت خلال ديسمبر الي التنافس الحقيقي، وكان سير مراحلها المختلفة محلاً لانتقادات واتهامات واسعة يمكن إيجازها فيما يلي:

-         اعتبرت الهيئة العامة للانتخابات، والتي تولت تنظيم الانتخابات والإشراف عليها، غير مؤهلة بسبب غياب مرجعيتها الدستورية. فحسب المادة 128 (1) من الدستور الساري فإن هيئة الانتخابات مسئولة لدي رئيس الجمهورية والمجلس الوطني (البرلمان) عن أداء أعمالها. وحيث يغيب المجلس الوطني منذ قيام رئيس الجمهورية بحله في 12 ديسمبر 1999 تكون دستورية قيام الهيئة بأعمالها منقوصة.

- حيث أن المرجعية الأخرى للهيئة هي رئيس الجمهورية، الذي يرأس في ذات الوقت أحد الأحزاب المتنافسة في الانتخابات ومرشحها للرئاسة، فإن ذلك يثير مزيداً من الشكوك في قدرتها علي القيام بأعمالها في حيدة ونزاهة.

- في مخالفة للمادة (21) من قانون الانتخابات والتي تشترط علي الموظف العام تقديم استقالته من منصبه عند ترشيح نفسه للرئاسة وذلك تطبيقاً لمبدأ تكافؤ الفرص ودرءاً لشبهة استغلال النفوذ، احتفظ مرشح الحزب الحاكم بمنصبه قائداً للقوات المسلحة.

- شهدت العملية الانتخابية استغلالاً واسعاً للنفوذ من قبل الوزراء والولاة والمحافظين وكبار مسئولي الدولة لمصلحة المرشحين منهم أو المرشحين عن حزبهم. وتضمن هذا علي استخدام إمكانيات وموارد الدولة لمصلحتهم. كما تمت ممارسة مضايقات أمنية وشرطية علي بعض المرشحين ووكلائهم ومنها اعتقال بعضهم أو طردهم من المراكز الانتخابية وملاحقة كوادر حملاتهم وقطع الكهرباء عن مراكز حملاتهم الانتخابية.

- غياب مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين تارة لأسباب مالية وتارة أخري بفعل سيطرة مرشحي الحزب الحاكم علي موارد الدولة وإمكاناتها. ومن هذا فرض رسوم مالية تتجاوز 130 مليون جنيه علي كل مرشح للرئاسة، ولم تكن سجلات الناخبين متاحة للمرشحين، وأشار أحد المرشحين للرئاسة (مالك حسين) الي عدم تمكنه من الحصول علي سجل الناخبين علي مستوي الدولة والذي قدّر تكلفة الحصول عليه بـ 6 مليون دينار.

- ممارسة التهديد والابتزاز والإغراء ضد بعض المرشحين لحملهم علي التنازل لمصلحة مرشحي الحزب الحاكم، وفي واحدة من الحالات قدم أحد المرشحين في العاصمة شكوى ضد عناصر قيادية في الحزب الحاكم تتولى مسئوليات رسمية حملته علي سحب ترشيحه دون أن تلتزم بالوفاء له بالالتزامات التي تعهدوا له بها، عقب فوز مرشحهم بالتزكية.

- تولي الجهات الرسمية تصريف أعمال الانتخابات في عدد من المناطق النائية بدلاً عن لجنة الانتخابات، وقد أدي افتضاح الأمر في بعضها الي وقف الانتخابات كما كان الأمر في دائرة العالياب بولاية البحيرات بجنوب السودان والتي تولت فيها رئاسة الولاية الإشراف علي عمليات الترشيح. (تخضع ولاية البحيرات بأكملها لسيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان، ويقيم مسئولو الحكومة عليها في العاصمة كما هو الحال بالنسبة لولايات أخري.

- القصور الذي شاب سجلات الناخبين، بخلوها من أسماء العديد من الناخبين في مختلف الدوائر الانتخابية. وقد اضطرت هيئة الانتخابات في اليوم الخامس من بدء عمليات الاقتراع الي السماح لرؤساء اللجان في الولايات بتعديل الكشوف الانتخابية بدعوى معالجة الأسماء الساقطة غير أن ذلك فتح باباً واسعاً للتلاعب. وفي كثير من الحالات لم يحط المرشحون أو وكلاؤهم بالتعديلات والإضافات التي أدخلت علي السجلات الانتخابية أثناء عملية الاقتراع.

- قيام مندوبي الحزب الحاكم بممارسة أساليب فاسدة في المراكز كان منها شطب أسماء في السجل الانتخابي لحرمان أصحابها من الانتخاب، والسماح لبعض الناخبين بالاقتراع دون مطالبتهم بإبراز بطاقات إثبات الشخصية، وقيامهم في بعض الحالات بوضع إشارة الاقتراع في بطاقات الناخبين قبل تسليمها لهم، وذلك لمصلحة مرشحيهم، وإعطاء بعض الناخبين أكثر من بطاقة انتخابية واحدة. وقد برزت هذه الظاهرة الأخيرة علي نحو لافت في المراكز النائية كالجنوب حيث استطاع مرشحو الحزب الحاكم في دوائر كواو وراجا الحصول علي أصوات تفوق بكثير تعداد سكان الدائرة.

- التلاعب في عمليات الاقتراع، وفي بعض الحالات –مثال المراكز 3 و 15 بالدائرة 17 بامدرمان- أبقت اللجنة علي صناديق الاقتراع مفتوحة وغير مختومة. وفي حالات أخرى طالب ضباط الانتخابات (مثال دائرة المسيد جنوب الخرطوم) الناخبين بإجراء التصويت بأقلام الرصاص ما يشير الي نوايا للتزوير.

- عدم توفر الأمن في عدد من الدوائر الانتخابية، وعلي سبيل المثال قتل أربعة بالرصاص وأصيب آخرون بجروح في معركة انتخابية مسلحة بمدينة سودري بولاية شمال كردفان فيما تعرض أحد المرشحين في الإقليم لعملية نهب مسلح استولي فيها الجناة منه علي 30 مليون جنيه كان جمعها لتمويل حملته الانتخابية.

- إحضار شاحنات محملة بالجنود التابعين للقوات المسلحة للاقتراع في دوائر لا ينتمون إليها.

- غياب مندوبي المرشحين للرئاسة من معظم مراكز الاقتراع التي تجاوزت مائة ألف مركز، نتج عنه عدم وجود رقابة علي العملية الانتخابية. وكان لافتاً للنظر أن المراكز الريفية سجلت نسبة اقتراع تفوق بكثير النسبة التي سجلتها المراكز الحضرية.

-         عدم التزام الهيئة العامة للانتخابات ولجانها بالجداول الزمنية المحددة، وكان من هذا تمديد الهيئة لأثنين من الرشحين للرئاسة الفترة المحددة لتقديم الترشيح واستيفاء شروطه، وفي عدد من المراكز قام المسئولون عنها بتمديد الفترة الزمنية لفتح المراكز الانتخابية لما بعد الوقت المحدد (الحادية عشر مساء) وذلك لمصلحة مرشحي الحزب.

 

التاريخ: 2 يناير  2001

 


 


كلمة المحرر هذه المنظمة |بيانات صحفية |مقالات | ال دورية | تقارير| للإجراء الفوري |منبرالمرأة| مصادر أخري |
| إتصل بنا |عودة للصفحة اللأولي
English Site