إنتزاع السلام إعتصاراً من نظام الإبادة
محجوب التجاني
19 فبراير 2004
اختتم التجمع الوطني الديمقراطي اجتماعاً هاماً (أسمرا: 15 فبراير
2004) بقرارات تضمّنت قبول اتفاق جدة الذي وقّعه رئيس التجمع مع حكومة السودان
(ديسمبر 2003)، على أن يكون "الموقف التفاوضي للتجمع (في محادثات السلام) وفقاً
لرؤية التجمع للحل السياسي الشامل" للأزمة السودانية. إن مغزى هذه الفقرة، التي
احتوت خلافاً كان يمكن وقوعه بين الرئيس وأطراف التجمع احتجاجاً على الاتفاق (سودان
تربيون: 29 ديسمبر 2003)، تستحق وقفة متأنية من قبل المحللين السياسيين، وكذا
مراقبي حقوق الإنسان.
استناداً على مؤتمر التجمع الوطني الديمقراطي للقضايا المصيرية (أسمرا: يونيو 1995)
والاجتماعات المتوالية في السنوات اللاحقة، فان قرارات التجمع التزمت بشكل قاطع
بالنضال الطويل لمنظمات المجتمع المدني السوداني ونشطاء حقوق الإنسان من أجل إقامة
ديمقراطية حقيقية على أسس مباديء حقوق الإنسان الدولية وأيضاً المثلى من قوانين
السودان.
على الرغم من أن التجمع لم يكن قادراً على حشد قطاعات كبيرة من
المجموعات السودانية المحبطة في مواجهة حكم الإخوان الإرهابي لدرجة تكفي لحمل
الطغمة الحاكمة على الاستسلام للإرادة العامة السودانية خلال وقت وجيز من الزمن،
فان التجمع يُحسب له الموقف المتين منذ اكتوبر 1989 حين قرّر المعتقلون من
السياسيين، النقابيين، والجيش المعارضين لانقلاب الإخوان "استئصال النظام بكافة
وسائل النضال الممكنة."
حقيقة الأمر، فالتجمع الوطني الديمقراطي، اهتداءً بتقليد عريق في جهود الاجماع
الوطني السوداني، أنّى كانت أنظمة الحكم، لم ينته بعد من أمر النظام، ناهيك عن
"استئصاله"، رغم أن طغمة الإخوان حُملت بعجزها على الاعتراف بالتجمع كطرف رئيس في
التسوية السياسية لأزمة البلاد. بنفس القدر، لم يكن النظام قادراً على الإطلاق
لتحريك محادثات السلام مع الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان دون أن يلتمس، بطريقة
أو أخرى، موافقة التجمع: تواصل الساحة السياسية السودانية التأرجح في بندول عدم
التوازن بين القوى الديمقراطية والهياكل القمعية للحكم المركزي، على نحو ما ظل عليه
الحال منذ أزمنة الاستقلال.
منذ مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية في 1995 وحتّى الوقت الراهن، فان التجمع لم يغيّر
من التزاماته المبدأية نحو الميثاق أو القرارات التنفيذية والسياسية ذات الصلة التي
حكمت عمل التجمع، رغم العيوب العديدة في النشاط اليومي ومحدودية قدرات لجان التجمع
في الداخل والخارج على حشد الجماهير كنتيجة لغياب الضمانات، إضافة إلى مشكلات مالية
وإدارية.
ينص ميثاق التجمع بوضوح على أنه في سبيل تحقيق ديمقراطية حقيقية،
تبادل دوري للسلطة وسلام عادل ودائم في البلاد، فان على نظام حكومة الإخوان في
السودان التخلي عن كل أشكال وأساليب الحكم القمعي، وبشكل خاص نظام الفرد
الواحد-الحزب الواحد الرئاسي باعتباره أحد الأعراض القاتلة للحكم الديمقراطي في
السودان. يتعيّن على النظام أن يلغي، وبشكل نهائي، حالة قانون الطواريء الدائمة
والمراسيم الدستورية سيئة الصيت، والمراسيم والقرارات الانقلابية التي أعدّ
مسوداتها العقل الناصح للانقلاب، حسن الترابي، خصيصاً من أجل تحصين سلطات تلميذه في
السياسة عمر البشير، قائد الانقلاب، على حساب مصالح الجماهير.
تواصل المراسيم الصارخة في عدم دستوريتها هيمنتها على كافة الأوامر التنفيذية
والتشريعية بسلطات رئاسية ديكتاتورية تتضمن على قرارات اقتصادية متهوّرة (صفقات
نفط، تصدير حيوانات وقرارات كبيرة أخرى بعيداً عن البرلمان)، معاهدات سياسية ذات
شأن (عمليات تكامل رئاسي و/أو اتفاقات أمنية مع دول مجاورة)، أعمال حرب أو إجراء
عسكري قاس، من نحو ما كان عليه الأمر في الجنوب، جبال النوبة، ومناطق البجا، وكذا
دارفور في الوقت الراهن.
بالمراسيم غير الدستورية لخلافة الاخوان الزائفة، أحكم البشير
وثاق العلاقات الأمنية والمالية مع أسامة بن لادن، حماس، الجهاد الإسلامي، حزب
الله، وإيران على امتداد العقد الأكثر قسوة من حكمه القمعي، رغم الرفض المتعاظم من
المعارضة الديمقراطية، وبذلك جعل البشير البلاد، للمرة الأولى في تاريخها الحديث،
محميّة سياسية واقتصادية ترعاها الدولة للجماعات الإرهابية من كل أرجاء المعمورة
بالتعاون مع مؤتمر الشعوب العربية الإسلامية الذي سيطر عليه الترابي، الفريق الأمني
الذي يرتهن لعلي عثمان محمد طه، وحركة الإخوان المسلمين الدولية.
مؤخراً جداً، تحدّى البشير بسلطة المراسيم الهيئات التشريعية
والتنفيذية الخاصة به بقرار رئاسي خاص بالقوات المسلحة "لسحق" ولايات دارفور الثلاث
بحملة إبادة جماعية كبرى، دون اعتبار للمخاوف الدولية والوطنية الخاصة بالسلامة
والرفاهة المستحقة لأهل دارفور الأبرياء.
للمفارقة، فان ذات المراسيم الدستورية التي وفّرها المفكّر الايديولوجي للجبهة
القومية الإسلامية، حسن الترابي، لتلميذه في السياسة كيما يُخرس بوحشية، في غياب
رقابة شعبية، أدنى معارضة للنظام، حتّى وإن كانت تظاهرات مدرسية أو اجتماعات
نقابية، قد ارتدت بحسم على السيّد الترابي على يد صبية الانقلاب "في مطلع عقدهم
الثاني"، بينما احتدم صراع القوى بين الجماعتين بما يضر ب "المشروع الحضاري"
للإخوان. ما أصوب المثل العربي السائر الذي يقول "على نفسها جنت براقش".
أيّاً كان الأمر، فقد جاء استبداد المراسيم بمردوده على المأزق
الراهن للنظام إذ أنه يحاول السيطرة على التعقيدات المتزايدة للأزمة في السودان
بالتكتيكات "المراوغة" في عملية سلام يسوسها بالكاد. من بين هذه التكتيكات باهظة
الثمن، التوقف المفاجيء عن المفاوضات عندما تمّ وضع قضية أبيي الحسّاسة على الطاولة
- الذي اقترن بالهجمات العنيفة للنظام التي تمزّق إرباً أرواح وممتلكات مليون
إفريقي في دارفور عن طريق الغارات الجوّية المكثّفة والهجمات البربرية للمليشيات -
التي كانت محل إدانة قويّة من قبل المجتمعات المدنية والحكومات الديمقراطية في
العالم.
تحت هذه الظروف المريعة، فان مطالبة عضو الكونغرس المحترم دونالد
باين، عضو اللجنة الفرعية الخاصة بإفريقيا في الكونغرس، وزميله توماس تاكريندو عن
ولاية كولورادو، الرئيس بوش "التحقيق في حجم التورّط، المباشر أو غير المباشر،
لمسئولين سودانيين كبار في دعم الارهاب والمجموعات الإرهابية خلال العقد المنصرم"
كانت مطالبة جاءت في الوقت المناسب حقّاً.
تقول مطالبة عضويّ الكونغرس المؤرخة في 5 فبراير، ". . . يجب
علينا أن نؤكّد على أن أولئك الأفراد الذين تورّطوا في الماضي أو الحاضر لا ينبغي
السماح لهم بالهروب من العدالة." تضمّنت أسماء هؤلاء الأفراد بجانب النائب الأول
للرئيس، على عثمان محمد طه، غازي صلاح الدين، وعوض الجاز كوزراء هامين للنظام، مطرف
صديق، نافع علي، صلاح عبد الله، قطبي المهدي، الهادي النكاشا، عبد الكريم عبد الله،
أسامة عبد الله، جمال جمعان، عماد الدين حسين - وجميعهم مسئولون أمنيون كبار بجهاز
الاستخبارات الداخلية أو الخارجية سييء الصيت لحكومة السودان.
كما كان متوقعاً، جاء رد فعل الحكومة لا عقلانياً لحد البؤس،
"مستنكرة على عضوي الكونغرس" الحق في مطالبة رئيسهم بتحقيق بافتراض أن عضوي
الكونغرس المحترمين "لا يملكان حق مطالبة رئيسهم بالتحقيق في أعمال للإرهاب!"
تعليقات وزير عدل النظام، الدرديري، ووزير الخارجية مصطفى إسماعيل جاءت في وقت يدرك
فيه العالم بأسره أن البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي قد تعهّدا مع غالبية أعضاء
الجمعية العامة للأمم المتحدة بملاحقة الإرهاب وأولئك المتورطين في أعمال إرهاب في
أوثق تعاون ممكن مع الحكومات الوطنية والهيئات الإقليمية المناهضة للإرهاب.
ألم تدّعي حكومة السودان أنها الآن نظام مناهض للإرهاب؟ ألا يكون
من الأفضل لهذه الحكومة أن تكشف عن صلاتها بالإرهاب من خلال تحقيق قضائي مستقل
وعلني باحترام لائق للإرادة العامة السودانية المتشوّقة لتقديمهم للمحاكمة عن جرائم
ضد الإنسانية، بدلاً عن الشجب اليائس للمطالبة المسئولة لعضوي الكونغرس بالتحقيق في
الجرائم المزعومة استناداً على سلطة البيت الأبيض؟ كيف يمكن للرفض المتعجّل
لإتهامات عضوي الكونغرس من قبل وزيري العدل والخارجية في حكومة السودان أن يعين في
كفالة المحاكمة العادلة للمسئولين المتهمين حين تدخل اتفاقية السلام حيّز التنفيذ؟
إن نفس المسئولين محل التساؤلات الذين اندفعوا بشكل محموم للتعاون
مع الاستخبارات الأمريكية عقب هجمات 11 سبتمبر المروعة ضد ممتلكات الولايات المتحدة
وسلامتها العامة، ينقلون أسرار أسامة بن لادن في السودان (التي ما عرفها السودانيون
أو تجاوزوا عنها على الإطلاق)، ويكشفون التورّط الدامغ لطغمتهم الحاكمة من الإخوان
مع الإرهابيين طوال العقد المنصرم، لم يعوا بعد الدرس المستوجب من طلب عضوي
الكونغرس من رئيسهم: فالتعاون مع ضحايا الإرهاب لوقف الإرهاب بواسطة إرهابيين
سابقين ليس سبباً، بأي معيار أخلاقي أو ديني أو علماني لائق، لإستثناء المتواطئين
مع الإرهاب من التطبيق الواجب للقانون. و يا له من درس مدهش!
سواء أكان هذا التطبيق المستحق للعدالة قد تمّ الحث عليه من قبل
المتميّزين تانكريدو ودونالد باين، وهما مناصران قديمان لضحايا الحرب في السودان في
مواجهة الحكم المركزي السييء للشمال، أو تمّ السعي له بواسطة التجمع الوطني
الديمقراطي وشعب السودان، كما هو الحال منذ يونيو 1989 دونما أية استجابة من
المسئولين المعنيين، فهو ليس محل خلاف. يتعيّن على العدالة أن تسود في نهاية الأمر،
والمشاركة في، أو الإطلاع بمفاوضات السلام، لا يكفي لإعفاء علي عثمان وفريقه
الإرهابي من المسئولية الصارمة عن كافة الجرائم التي جرى اقترافها ضد الانسانية في
السودان أو أي مكان آخر، بما في ذلك محاولة الإعتداء البشعة ضد حياة الرئيس حسني
مبارك في أديس أبابا في يونيو 1995.
إن متاعب نظام الإخوان الإستبدادي تتفاقم أكثر بدخول التجمع
الوطني الديمقراطي في عملية المفاوضات. و"الموقف التفاوضي" للتجمع ينص على إلتزام
صارم بميثاق ومقررات التجمع الوطني الديمقراطي (1995 - 2004): إن اللعبة لا تّدار
وفقاً لقوانين الإخوان.
مقررات التجمع الوطني الديمقراطي (1999 وما بعده) تطالب بثبات
بالتحوّل الفوري "عبر إلتزام مبدئي بالمناخ المؤاتي للسلام" لحكم انتقالي ديمقراطي
لضمان التمتّع الكامل بممارسة مباديء حقوق الإنسان الدولية، وبصفة خاصة الحق في
التنظيم السياسي والنقابي والتجمّع السلمي، الكفالة التامة لحريات الصحافة،
التعبير، والتنقّل، إلخ.، ونظام عدلي يخلو من إشراف الحكومة على القضاء أو نقابة
المحامين إضافة إلى إلغاء قانون النظام العام، القانون الجنائي، قانون العقوبات،
قانون الأحوال الشخصية، وغيره من ترسانة القمع المدني والعسكري للنظام.
نظرياً، فان مقررات التجمع الوطني الديمقراطي الخاصة بحق الجنوب
والمناطق المهمّشة الأخرى في ممارسة تقرير المصير، أنظمة إدارة لا مركزية،
واتفاقيات مجازة ديمقراطياً حول الثروة والسلطة بالإجماع الوطني جرى اعتمادها بشكل
عام ضمن بروتوكول ماشاكوس للسلام. وبأية حال، ستيعيّن الانتظار حتّى نرى ما إن كانت
لجنة التجمع-الحكومة لمتابعة السلام الخاصة باتفاق جدّة ستتمكن من اللحاق بخطى
المفاوضات المندفعة في نيفاشا لإختتام المحادثات الصعبة باتفاق سلام مفصّل يحظى
بالتأييد الوطني و"الدستوري".
على مندوبي التجمع، يقودهم فاروق ابوعيسى رئيس اللجنة الدستورية
والقانونية للتجمع، أن يُدخلوا المباديء الدستورية والقانونية كاملة النضوج للتجمع
التي تلمّسها بروتوكول ماشاكوس في الحدود العامة "ربّما" إلى متن الهيكل المجاز
لإطار نيفاشا. إن إلحاق قانونيي التجمع الوطني الديمقراطي بطاولة التفاوض يمثّل
إضافة لساسة وقانوني التجمع وأيضاً الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان الذين
يطالبون الحكومة الإعتراف بالاستقلال الكامل للقضاء، القوانين الديمقراطية، ونظام
عدلي قائم على مباديء حقوق الإنسان الدولية.
بشكل حتمي، فان لجنة التجمع-الحكومة الخاصة بالمتابعة تجد نفسها في حالة تناقض في
ما يتعلق بعدد من القضايا الكبيرة للدولة. على رأس هذه القضايا، إصرار التجمع على
أن يعيد، عبر خطوات إجرائية عاجلة، حكم القانون، التداول الدوري للسلطة، و"تفكيكاً
سلمياً" لنظام الإخوان الإستبدادي. في الجانب الآخر تجاهد الحكومة للحفاظ، بقدر
الإمكان، ب "نصيب أسد" في التأثير السياسي والاقتصادي على الدولة.
هذه الحصة، أو "النصيب"، تمّ إدراجها إلى حدٍ ما "مباديء متفق عليها" وفق نصوص جدة
الخاصة باقتصاد السوق الحر (حيث الهيمنة لرجال الأعمال من الإخوان )، قوات جيش وأمن
لا يتم المساس بها (حيث السيطرة لكبار الضباط من الإخوان)، وشكل رئاسي للحكم (يواصل
فيه عمر البشير وطغمته العسكرية فرض مراسيم الترابي بالحديد والدم).
مع ذلك، فان اتفاق جدة قد "أُعيد ترتيبه" وفق مقررات التجمع
لتحمّل مراجعات لا بدّ منها طالما سيكون الموقف التفاوضي للتجمع محكوماً "بميثاق
التجمع ومقرراته الأخرى". وفي غياب الصياغة الواضحة في نصّ اتفاق جدة فان قوّة مثل
هذه المراجعات ستعتمد بشكل كبير على كفاءة العناصر المتفاوضة في كلا الطرفين،
القانونيين في التجمع الوطني الديمقراطي والحكومة للتأثير على تفسير النصّ.
الأكثر أهمية، أن ميزان التفاوض سيعتمد بشكل أكبر على إمتلاك
التجمع لمقاومة شعبية ضد خطط الحكومة للإنحراف بعملية السلام بإتجاه مصالحها
الخاصة. علاوة على ذلك، فان المراوغة التي عُرفت بها حكومة السودان ربما تعيق لجنة
المتابعة من المشاركة الفعّالة في المفاوضات. ولهذا السبب يصبح أمراً شديد الأهمية
بالنسبة للتجمع تأمين الدعم المتين من قبل وسطاء السلام لتمكين اللجنة من إنجاز
عملها.
مجال آخر للتنازع داخل لجنة التجمع-الحكومة يتعلّق بالحالة
الأمنية للبلاد والاتفاق العسكري الذي جرى توقيعه سلفاً بين الحكومة والحركة/الجيش
الشعبي لتحرير السودان. إن لجنة في التجمع خاصة بالتنظيم يرأسها الفريق عبد الرحمن
سعيد، نائب رئيس التجمع وقائد القيادة الشرعية للقوات المسلحة السودانية (التي
أسّسها بداية الراحل الفريق فتحي أحمد علي لإعادة الحكم الديمقراطي الدستوري، وكذا
إعادة ضباط الجيش والشرطة الذين قام الإخوان بتصفيتهم بالآلاف منذ انقلاب يونيو)
عُهد إليها تعزيز أداء التجمع مع الجولة القادمة من محادثات السلام.
ستقوم اللجنة "باستعراض الظروف العسكرية في ضوء التطورات الجديدة،
لا سيما الاتفاق حول الترتيبات الأمنية خلال فترة الانتقال (نيفاشا: 26 سبتمبر
2993) والتقرير المفصّل لقائد الحركة الشعبية د. جون قرنق حول المسألة، إضافة إلى
العضوية الجديدة لحركة تحرير السودان في دارفور والحاجة للتنسيق بين الجبهتين
الشرقية والغربية." إن طبيعة اللجنة التنظيمية ومهامها تتعارض بشدّة مع هوس الحكومة
بالعمل العسكري الغليظ، الهيمنة الكاملة على القوات المسلحة، مشروعية قوات الدفاع
الشعبي والمليشيات الأخرى، والاستعداد العنيد "لاستخدام قوات الدفاع الشعبي، التي
اصطفاها الله، للحفاظ على حكم الشريعة"، على نحو ما تغنى به مراراً عمر البشير
متعهّداً بإراقة المزيد من دماء الخصوم السياسيين أمام مجموعات مؤيديه.
من الواضح أن جولة السلام القادمة بين حكومة السودان
والحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان يمكن لها أن تتجّه نحو خلافات حادة بين وسطاء
الايغاد (الذين أهتموا بالتقريب بين الطرفين المتفاوضين لتأمين نتائج إيجابية
فعّالة في المدى القريب باستخدام استراتيجيات الجزرة -العصا الأمريكية)، الرغبة
المراوغة لدى حكومة السودان لإنتزاع نوع ما من التفويض المستمر لحكم الشمال
بديمقراطية زائفة تخلف الحكم المتعثر للخلافة الزائفة، ودخول التجمع الوطني
الديمقراطي في المعادلة بخمس عشرة سنة من التصميم السياسي لتذويب استبداد الإخوان
باعتباره شرطاً هاماً لإقامة حكومة السودان الجديد لحقوق الإنسان مع شريكي وتوأمي
التجمع الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان ويوساب (إتحاد الأحزاب السودانية
الإفريقية)، إضافة إلى المعارضين الديمقراطيين الآخرين. إلى أي حد يمكن للتناقضات
أن تفضي إلى اتفاق وطني من أجل ديمقراطية حقيقية ودستورية تقوم على حقوق الإنسان
الدولية، هو سؤال علينا أن ننتظر للحصول على أجابة له.
حتّى الآن، ظلت مصر على مبعدة، تراقب بانتباه السيناريوهات
المتضاربة بينما تقوم بتعزيز روابطها مع طاغية الجيش، عمر البشير، باتفاقيات تكامل،
تشابه تلك التي أنجزتها مع النميري، ربما تنتهي كالعادة إلى حرية الدخول أو رفض
الدخول الغاضب للمطارات في كلا البلدين من دون تحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية
التي طالما اشتاق إليها بإخلاص الوحدويون الديمقراطيون في كلا البلدين. "لا سبيل
إلى مشروع وحدة فوقية، حتّى وإن عملت كافة الحكومات من أجلها" قالها السودانيون في
1970 لوحدة النميري-القذافي-السادات الثلاثية ولتكامل النميري-مبارك، كما هم
يشاهدون الآن اتفاقية البشير-مبارك الخاصة بالتأشيرات.
على خلاف مصر ودول الجامعة العربية الأخرى التي آثرت الوقوف مع حكومة السودان
مفضّلاً على الوقوف بجانب المعارضة الديمقراطية السودانية، يلاحظ مراقبون عديدون أن
أرتريا تواصل إحراز "احترام وتقدير كبيرين من التجمع الوطني الديمقراطي" على نحو ما
أكّد عليه البيان الختامي، بصرف النظر عن الاتهامات المؤسفة والعدائيات المتصاعدة
من قبل طغمة الإخوان واجتماعات القمة التي تنشدها مع اليمن واثيوبيا ضد القيادة
الأرترية.